مليون متابع ما يعني إنك تقدر توصل لهم بكرة الصباح. سفر العتيبي يشرح ليش النشرة البريدية والبودكاست هما أثمن ما تبنيه علامة سعودية اليوم، وليش السؤال الحقيقي مو أي قناة نختار، السؤال: عندنا نظام يخلينا نستمر سنة كاملة؟

قبل أشهر، في اجتماع مع علامة كبيرة، فتح مدير التسويق جواله وقال بثقة: عندنا مليون متابع. سألته سؤالًا واحدًا: لو قررت الليلة أن تكلمهم كلهم بكرة الصباح، بدون ريال إعلانات، كم واحد منهم يوصله كلامك؟ سكت قليلًا، ثم قال: ما أدري. ذلك السكوت هو موضوع هذا المقال كله.
لن أكتب هنا عن أدوات ولا عن منصات. أكتب عن فرق بسيط بين شيئين نخلط بينهما كل يوم: جمهور تستأجره كل مرة تريد أن تصل إليه، وجمهور تملكه لأنه اختار أن يسمعك. وبنهاية المقال أتوقع أنك ستوافقني على أن النشرة البريدية والبودكاست هما أثمن ما تستطيع علامة سعودية أن تبنيه اليوم، وأن الجزء الصعب منهما لا علاقة له بالتقنية.
المتابعة على أي منصة اجتماعية عقد إيجار، والمالك يغيّر الشروط متى شاء. الخوارزمية تقرر من يراك، ومتى، وبأي سعر. وكلما كبرت أرقامك على منصة، كبر اعتمادك على قرار لا تملكه.
الإيجار يخدمك في الحملات، والتمليك يخدمك في السنوات.
الاشتراك في نشرة أو بودكاست شيء آخر تمامًا. القارئ أعطاك بريده، أو ضغط زر المتابعة في تطبيق البودكاست، وقال بلسانه: أريدك أن تصلني. لا وسيط يأخذ نسبة من كل رسالة، ولا خوارزمية تقرر إن كان يومك مناسبًا. الإيجار يخدمك في الحملات، والتمليك يخدمك في السنوات.
هذا الفرق تحس به أكثر يوم تحتاج جمهورك في وقت ضيق: إطلاق منتج، أو أزمة، أو تغيير اسم. في ذلك اليوم، العلامة التي عندها قائمة بريد نظيفة وحلقات يسمعها الناس فعلًا، تتكلم. والعلامة التي عندها متابعون فقط، تدفع.

الناس الذين تريدهم جمهورًا لك موجودون أصلًا، وسماعاتهم في آذانهم. 60% من البالغين في السعودية يسمعون بودكاست ساعة أو أكثر كل أسبوع، مقابل 57% في الإمارات و41% متوسطًا عالميًا، والمتصدر جنوب أفريقيا عند 66% (المصدر: YouGov Global Profiles 2025، 49 سوقًا ونحو 1,000 مشارك في كل سوق). وقبلها بسنة كانت النسبة 59% (المصدر: YouGov 2024). الرقم إذن ليس موجة عابرة، الرقم عادة استقرت.

الاتجاه نفسه يظهر عند المنصات. أعلنت سبوتيفاي أن متوسط ساعات الاستماع اليومية للبودكاست في المنطقة ارتفع 223% بين نوفمبر 2021 وسبتمبر 2023 (المصدر: Spotify Newsroom 2023، بيانات المنصة وحدها). وفي دراسة أقدم قال نحو 80% من المستمعين السعوديين إنهم يفضلون المحتوى العربي (المصدر: Rising Giants عبر Arab News 2021، حجم العينة غير معلن، فخذها إشارة لا حكمًا نهائيًا).
والمال بدأ يلحق الأذن. الطلب الإعلاني على شبكة Acast وNext Audio في المنطقة ارتفع 67% في سنة واحدة، وارتفع متوسط إنفاق الحملة 30% (المصدر: ExchangeWire 2026، بيانات شبكة واحدة). وفي مسح آخر قال 55% من المستمعين إنهم اتخذوا خطوة بعد سماع إعلان في بودكاست (المصدر: Sounds Profitable 2024). وقِسها على هذا: إن كان الإعلان في حلقة شخص آخر يحرك الناس، فكيف بحلقة تحمل اسمك ويعود إليها المستمع كل أسبوع؟
ولو كنت تدير علامة سعودية، فهذا يعني أن الجمهور مهيأ، وأن الفجوة في العرض لا في الطلب. الطلب موجود، والحلقات التي تستاهل ساعة من أسبوع المستمع قليلة. وهذه فرصة لا تتكرر كثيرًا: سوق يسمع أكثر من العالم، ويريد عربيًا، وقنواته المملوكة ما زالت قليلة.
الفتح رقم يجامل، والنقر رقم يقول الحقيقة.
أغلب من يبدأ نشرة يفرح بأول رقم يراه: نسبة الفتح. المتوسط العالمي في 2025 كان 43.5% فتحًا مقابل 2.1% نقرًا، من 3.6 مليون حملة (المصدر: MailerLite 2025). لكن نسبة الفتح صارت رقمًا منفوخًا منذ بدأت آبل تفتح الرسائل نيابة عن المستخدم في تطبيق البريد. الفتح رقم يجامل، والنقر رقم يقول الحقيقة.
وحين تقارن النقر بين القطاعات، تظهر القصة الحقيقية. نشرات الإعلام تحقق 4.1% نقرًا، ونشرات التسويق والإعلان 1.3%، والتجزئة 1.3% كذلك (المصدر: MailerLite 2025). الفرق ثلاثة أضعاف تقريبًا. والسبب بسيط: الإعلامي يعامل النشرة كأنها المنتج نفسه، والمسوّق يعاملها كأنها إعلان بغلاف.

والمنافسة على صندوق البريد ليست سهلة. في أمريكا، يقول 62% من قراء النشرات إنهم لا يقرؤون أغلب ما يصلهم (المصدر: Pew Research Center 2026، عينة 5,153 بالغًا، بيانات أمريكية). المعادلة واضحة: القائمة سهل أن تجمعها، والاهتمام صعب أن تحافظ عليه. النشرة التي عندها صوت تبقى، والنشرة التي عندها عروض تُحذف قبل أن تُفتح.
هنا أريد أن أتوقف وأقول شيئًا يخالف ما توقعته من عنوان المقال. أغلب العلامات التي جربت النشرة أو البودكاست وفشلت، لم تفشل لأن القناة لا تناسبها. فشلت لأنها عاملت القناة المملوكة بعقلية الحملة المستأجرة: ميزانية لثلاثة أشهر، ثماني حلقات، تقرير، ثم صمت.
الجمهور المملوك لا يُبنى بحملة. يُبنى بموعد يتكرر حتى يصير عادة عند القارئ، وبصوت يعرفه من أول سطر، وبإيمان أن العدد رقم 40 أهم من العدد رقم 1. لذلك السؤال الأول عندنا ليس أي قناة نختار. السؤال الأول: هل عندنا نظام يخلينا نستمر سنة كاملة حتى لو ما جاءنا رقم يفرح؟
وإن كان الجواب لا، فالمشكلة لا تُحل بمنتج أفضل ولا بمصمم أفضل. تُحل بقرار إداري صريح أن هذه القناة أصل طويل الأمد، يُقاس بالسنة لا بالربع. وهذا القرار بالذات هو ما يفرق بين علامة تملك جمهورها وعلامة تستأجره في كل مرة.
هنا سكتنا. الجواب ما كان في القناة.
الصوت أولًا. كل علامة محتوى عندنا في تدااا تبدأ بورقة صوت من صفحة واحدة: جمل حقيقية من أفضل ما كتبنا، وكلمات لا نستخدمها أبدًا، وكلمات نعود إليها. الورقة لا تقول "ودود وذكي"، فالصفات لا تنفع أحدًا. الورقة تقول: هذه الجملة منّا، وهذه ليست منّا.
الإيقاع ثانيًا. عندنا اليوم 12 علامة محتوى بين نشرات وبودكاست، من جادي ومقادير إلى دليلة الرياض والصفحة الأخيرة، وكلها تمشي على تقويم واحد بمواعيد ثابتة. الموعد الثابت هو أول وعد تقطعه للقارئ، ولو أخلفته مرتين نسيك.

وبين الإيقاع والإيمان شيء اسمه الذاكرة التحريرية. العدد رقم 40 يذكر ما قلته في العدد رقم 12، والحلقة الجديدة تعود إلى ضيف قديم بسؤال ما أجاب عنه. الأرشيف عندنا ليس مخزنًا، الأرشيف هو الدليل الوحيد على أنك كنت هنا قبل أن يحتاجك أحد.
الإيمان ثالثًا، وهو الأصعب. أقصد الإيمان بأن المحتوى الجيد يحتاج وقتًا أطول من صبر التقارير الفصلية. النشرة في شهرها الثاني عندها قراء قليلون يسألونك أسئلة ذكية، وفي شهرها الثامن عندها قراء يرسلون لك تصحيحًا لمعلومة. هؤلاء هم الجمهور الذي تملكه، ولا توجد ميزانية تشتريهم في أسبوع.
الزبدة: لا تحتاج أن تبدأ بالاثنين معًا. اختر واحدة، نشرة أو بودكاست، وأعطها 12 شهرًا وصوتًا واحدًا وموعدًا لا يتزحزح. بعد سنة ستكتشف أن عندك شيئًا لا تستطيع أي خوارزمية أن تأخذه منك.
في أول اجتماع فريق، اسألهم: لو اختفت كل منصاتنا الاجتماعية بكرة، كم واحدًا يصله صوتنا؟ الرقم الذي ستسمعه هو حجم جمهورك الحقيقي. وكل شيء فوقه إيجار.
هذا عندنا في تدااا هو الطريق من الارتباك إلى الانبهار: من لحظة "ما أدري" في ذلك الاجتماع، إلى لحظة يصلك رد من قارئ يقول: قرأت عددك في السيارة وحكيت عنه لزميلي. وإن كان في بالك أن تبني قناتك المملوكة الأولى، أو تصلح واحدة تعبت منها، كلّمنا. نبدأ من النظام قبل الحلقة الأولى.
تجارب ثانية