نصف المبيعات تصنعها الفكرة، والمسوّقون يحسبونها خُمسًا. عبدالرحمن المالكي يحسب فاتورة الإعلان الممل بالأرقام، من اليوم الوطني إلى رمضان، ويشرح ليش الفكرة الآمنة أغلى شيء تشتريه هالسنة.

فيه تمرين أحب أسويه في أول اجتماع مع أي عميل. نفتح ستة إعلانات لليوم الوطني من ست شركات في ستة قطاعات مختلفة، ونغطّي الشعار في آخر ثانيتين، ونسأل الغرفة: هذا إعلان مين؟
ما أحد يعرف. ولا مرة عرف أحد. نفس الأخضر، نفس الخيل، نفس الجد اللي يمسك يد حفيده، نفس البيانو البطيء، نفس الجملة عن الفخر. ستة فرق، ست ميزانيات، وقرار واحد اتخذوه كلهم بدون ما يتفقون عليه: لا نخاطر.
السؤال الذي أسأله من سنين، وصار سبب تأسيس تدااا: ليش كل شيء صار ممل ومكرر؟ والجواب الذي وصلت إليه ليس "لأن المبدعين خلصت أفكارهم". الجواب أن الفكرة الآمنة صارت أغلى فكرة في السوق، ولا أحد يطبع فاتورتها. لو أنت الذي يوقّع على الإعلانات في شركتك، فالأرقام التالية تخصك قبل أي أحد.
في مسح أجرته Oracle سنة 2022 وشمل أكثر من 12 ألف مستهلك وقيادي، قال 91% إنهم يفضلون البراندات التي تُضحكهم، و72% مستعدون لاختيار براند خفيف الدم على منافسه. وفي المسح نفسه، قال 95% من قادة الأعمال إنهم يخافون من استخدام الفكاهة (المصدر: Oracle Happiness Report 2022). النتيجة الطبيعية: 20% فقط من البراندات تستخدم الفكاهة في الإعلان التقليدي، و18% في الرقمي.
المسح عالمي ولم ينشر رقمًا سعوديًا مستقلًا. لكن افتح أي منصة في رمضان أو اليوم الوطني وسترى الفجوة نفسها بعينك: الجمهور يبي يبتسم، والإعلان مصمم ليبكيه.
ولهذا الخوف تاريخ. تقول بيانات Kantar إن نسبة الإعلانات التي تعتمد على الفكاهة عالميًا نزلت من 53% سنة 2000 إلى 34% في آخر قياس نشرته سنة 2024، والنزول أحدّ في الإعلانات الرقمية (المصدر: Kantar 2024). خلال ربع قرن صارت الإعلانات أكثر جدية وأكثر شبهًا ببعضها.
وعندنا الصورة أوضح. رمضان: فانوس، وطاولة إفطار طويلة، وعود بطيء، وجملة عن اللمّة. الاتصالات: الممثل الكوميدي نفسه يؤدي الحركة نفسها لثلاث شركات في ثلاث سنوات. لم يقرر أحد هذا. كل مدير قرر وحده أنه لا يريد أن يكون الشخص الذي غامر.

هذا هو الرقم الذي أتمنى أن يحفظه كل مدير تسويق. حلّلت Circana مع NCSolutions نحو 450 دراسة لأثر الإعلان على مبيعات السلع الاستهلاكية، ووجدت أن جودة الفكرة الإبداعية مسؤولة عن 49% من المبيعات الإضافية، وقوة البراند عن 21%، والوصول عن 14%، والاستهداف عن 11%، وحداثة التعرّض للإعلان عن 5% (المصدر: Circana / NCSolutions 2023). ودراسة Nielsen الأقدم على نحو 500 حملة وصلت إلى رقم قريب: 47% (المصدر: Nielsen 2017).

معنى هذا لمدير التسويق في الرياض: كل ريال تصرفه على الاستهداف والبيانات والمنصات يعمل على أقل من نصف النتيجة. النصف الآخر تقرره الفكرة، وهي عادة آخر بند في الميزانية وأول بند يُقص.
المفاجأة الأكبر في الفرق بين هذا الرقم وما يظنه المسوّقون أنفسهم. حين سألت NCSolutions 122 مسوّقًا عن تقديرهم، قالوا إن الفكرة تصنع 20% من المبيعات والاستهداف 24% (المصدر: Westwood One / NCSolutions 2024). أي أننا نقدّر الفكرة بأقل من قيمتها بمرتين ونصف، ونقدّر الاستهداف بضعف قيمته. وهذا الفرق هو سبب الملل بالضبط: نضع المال والوقت والاجتماعات في الجزء الذي يوصل الإعلان، ونترك الجزء الذي يجعل أحدًا يتذكره.

هناك دراسة أحبها لأنها حسبت شيئًا كلنا نحس به ولا أحد يحسبه. راجعت System1 مع Peter Field وAdam Morgan أكثر من 57 ألف إعلان اختبرتها منذ 2017، وقاست رد فعل الجمهور العاطفي على كل واحد. النتيجة: 52% من ردود الفعل على إعلانات التلفزيون في بريطانيا محايدة تمامًا، لا فرح ولا دهشة. وفي أمريكا 47% (المصدر: System1, The Extraordinary Cost of Dull 2024).
والإعلان المحايد ليس مجانيًا. بالميزانية نفسها، تكسب الإعلانات المملة 0.1 نقطة حصة سوقية في السنة، وتكسب غير المملة 1.3 نقطة. الفرق 13 ضعفًا. وقدّرت الدراسة أن تعويض هذا الفرق بالإعلام المدفوع يكلف السوق الأمريكي نحو 189 مليار دولار، والبريطاني نحو 13 مليار جنيه.
ما فيه إعلان محايد. فيه إعلان انشاف، وفيه إعلان اندفعت فيه فلوس.
لا نملك رقمًا سعوديًا مماثلًا، وأتمنى أن يقيسه أحد. السوق الإعلاني السعودي مقدّر بنحو 6.5 مليار دولار في 2025 (المصدر: IMARC 2025). اسأل نفسك كم من هذا المبلغ يذهب إلى إعلانات لا يحس بها أحد. لو كانت نسبتنا قريبة من بريطانيا وأمريكا، فالجواب لا يُقال في اجتماع.
والشق الثاني من الفاتورة هو الربح. قارنت Kantar وWARC نحو 450 إعلانًا بين قاعدة بيانات Link ونتائج العائد الفعلي، ووجدتا أن الإعلان عالي الجودة إبداعيًا يحقق أكثر من 4 أضعاف ربح الإعلان الضعيف (المصدر: Kantar / WARC 2023). ووجد Binet وField في بيانات IPA أن الحملات العاطفية تحقق نموًا كبيرًا جدًا في الأرباح في 29% من الحالات، مقابل 16% للحملات العقلانية، أي قرابة الضعف (المصدر: IPA Databank, Binet & Field 2018).
هنا ينقلب السؤال. حين يقول المدير "خلنا على الآمن"، فهو يظن أنه يقلل المخاطرة. الأرقام تقول العكس: هو يختار الخيار الوحيد الذي نتيجته شبه مضمونة، وهي أن يُنسى.
الإعلان الغريب قد ينجح وقد يفشل. أما الإعلان الآمن فله مصير واحد: يذوب في الخلفية مع خمسة إعلانات تشبهه.
خذ الفكاهة مثالًا، لأنها أوضح أشكال الغرابة. في قاعدة بيانات Kantar، تسجّل الإعلانات الفكاهية 11 نقطة زيادة في التميّز و27 نقطة في التعبير مقارنة بغيرها، ونصف الفائزين بجوائز Kantar للفعالية الإبداعية يستخدمون الفكاهة مقابل 33% من كل الإعلانات المختبرة (المصدر: Kantar 2022). وفي 2024، كانت 75% من الإعلانات الأمريكية والبريطانية الفائزة بأسود كان للأفلام فكاهية، صعودًا من 52% في السنة السابقة (المصدر: System1 2024).
ولو كنت أنت من يجلس في اجتماع المراجعة: أول شيء يُحذف فيه، النكتة، هو أكثر عنصر في الإعلان له عائد مقاس. الفكاهة ليست الحل الوحيد، لكنها أوضح دليل على أن الغرابة استثمار، لا مخاطرة.
الفكرة الآمنة أغلى شيء بتشتريه هالسنة، وسعرها ما ينكتب في أي عرض.
هنا سكتنا. ما فيه رقم سعودي، ولا أحد طبع الفاتورة.
عندنا في تدااا طريقة نعمل بها، ولا أريد أن أسوّقها هنا، لكني أريد أن أشرح لماذا تبدأ من مكان يزعج أغلب الشركات. نبدأ من الفراغ: بلا ملفات مرجعية، وبلا "نبي شيء مثل إعلان فلان". الفراغ مخيف لأنه لا يعطيك شيئًا تختبئ خلفه.
ثم تأتي الغرابة، وهي الفكرة التي تُسكت الغرفة لحظة وتجعلها تسأل: هذا ينفع؟ ثم الفوضى: نصنع كثيرًا ونرمي أغلبه. ثم الصمت، اللحظة التي تسبق فهم الفكرة. وبعدها تدااا.

أغلب الإعلانات المملة التي رأيتها لم تبدأ من الفراغ. بدأت من ملف مرجعي، أو من قائمة "أفضل 10 إعلانات رمضانية"، أو من إعلان المنافس. وحين تبدأ من نسخة، فأفضل ما تخرج به نسخة أحسن شوي. ولو خرجت الفكرة نظيفة زيادة، فغالبًا ماتت في الطريق.
الملل قرار، مو قدر. وكل مرة يوقّع أحد على الإعلان الآمن، يدفع فرق الـ 13 ضعفًا بدون ما يشوفه في أي فاتورة.
في أول اجتماع الأحد الجاي، جرّب التمرين: خذ آخر إعلان اعتمدته، غطِّ الشعار، وورّه لشخص ما يعرف شركتك. لو عرفها، مبروك، عندك فكرة. لو ما عرفها، تعال نتكلم. ما نبيع خدمات، نشتغل على الأفكار، وأول سؤال بنشتغل عليه معك: ليش كل شيء صار ممل ومكرر؟
تجارب ثانية