إعلانات رمضان تزدحم في شهر واحد يأخذ 23% من إنفاق التلفزيون، والسعر يرتفع 2.5 مرة والمشاهدة 6% فقط. عبدالرحمن المالكي يحسب فاتورة الزحمة.

في آخر أسبوع من شعبان، وأنا راجع على الدائري الشمالي، صرت أقرأ اللوحات الإعلانية واحدة واحدة. أغلبها هلال، وخط ذهبي، ووعد بشيء دافئ. لوحة تنتهي فتبدأ التي بعدها من حيث انتهت، وكأن معلنًا واحدًا اشترى الطريق كله ووقّع عليه بأسماء مختلفة.
وفي البيت فتحت خطة إعلامية وصلتني قبلها بيوم، وفيها الجملة نفسها التي تتكرر كل سنة بالنبرة نفسها: نبي شيء يليق برمضان. وما أحد كتب السطر الثاني: طيب، ومين غيرنا بينزل نفس اليوم؟
إعلانات رمضان ليست خيارًا سيئًا، هي خيار مزدحم. كل معلن يدخل الشهر وهو يظن أنه يشتري انتباهًا، بينما هو يشتري مكانًا في صف طويل. الفرق أن سعر الصف معروف ومنشور، وأثره على النتيجة غير محسوب في أغلب الخطط التي مرت عليّ.
الفرضية التي أردت اختبارها بسيطة: لو أخذنا نصف ميزانية الشهر ونقلناها إلى شهر لا أحد فيه، وش الذي نخسره فعلًا؟ وهل هو نتيجة، أم مجرد إحساس بالأمان لأننا موجودون حيث الجميع موجود؟
بنهاية هذه التجربة بتعرف ثلاثة أشياء بالأرقام: كم يكلفك الازدحام في رمضان، ومين المستعد لتغيير علامته في هذا الشهر ومين ليس مستعدًا، ومتى بالضبط يُتخذ القرار الذي تحاول أن تشتريه.

لأن الشهر يجمع أعلى مشاهدة في السنة، فيتصرف كل معلن بنفس المنطق في نفس الأسبوع. والرقم الذي يلخص هذا السلوك: 23% من إجمالي الإنفاق الإعلاني على التلفزيون يذهب لشهر رمضان وحده (المصدر: بيانات Ipsos 2017 نقلتها Communicate Online في 28 مايو 2018). شهر واحد من اثني عشر يأخذ ما يقارب ربع السنة الإعلانية.
والسبب مفهوم. في السعودية يبقى التلفزيون في رمضان المصدر الأول للترفيه داخل البيوت بوصول يقارب 97%، والمسلسلات وحدها تأخذ 53% من حصة المشاهدة (المصدر: رائد حرب من Ipsos في Campaign Middle East، 14 مارس 2023). ولهذا يذهب أكثر من 70% من ميزانيات الشهر إلى التلفزيون (المصدر: Think with Google, Ramadan in MENA، ورقة صدرت في 2016 عن موسم 2015).
ورقة قديمة، أعرف، وأكتب سنتها بصراحة. لكن الاتجاه ما تغير: الجمهور يجتمع، فيجتمع المعلنون خلفه، ثم يكتشف كل واحد منهم أن الجمهور الذي جاء من أجله صار موزعًا على ثلاثين إعلانًا في الفاصل نفسه.
وما أحد قرر هذا الازدحام في اجتماع واحد. كل فريق قرره وحده، بنفس المنطق المعقول: الناس هنا، فلنكن هنا. وحين يتخذ الجميع القرار المعقول نفسه في التوقيت نفسه، يتحول القرار المعقول إلى أغلى قرار في السنة، وتتحول الحملات الرمضانية إلى سباق على الفاصل نفسه.

يرتفع نحو 2.5 مرة، بينما ترتفع المشاهدة 6% فقط. سعر إعلان التلفزيون في رمضان يصل إلى 2.5 ضعف سعره المعتاد، وعدد الفواصل الإعلانية يزيد حتى 50%، والزيادة في مشاهدة التلفزيون اليومية خلال الشهر 6% (المصدر: Communicate Online، 28 مايو 2018، والثلاثة الأولى منسوبة في المقال إلى بحث Ipsos 2017).
اقرأ الرقمين مرة ثانية قبل أن تكمل. الانتباه يزيد 6%. السعر يزيد 150%. الفرق بين الرقمين ليس جمهورًا إضافيًا اشتريته، هو ثمن الوقوف في الصف.
المشاهدة ترتفع 6%، والسعر يرتفع 2.5 مرة. الفرق مو انتباه، الفرق زحمة.
والصورة نفسها في ورقة Think with Google: القنوات رفعت مساحة الإعلان عندها من 20% إلى 30% لتستوعب الطلب، ووصل سعر الإعلان في أكبر أربع قنوات إلى 165% فوق سعره في بقية السنة، والورقة نفسها تقول إن الزحمة تجعل هذه الإعلانات الأغلى أقل تأثيرًا من المعتاد (المصدر: Think with Google, Ramadan in MENA، 2016). يعني أنت تدفع علاوة موسمية على منتج تنزل جودته في الموسم نفسه.

عدد أقل بكثير مما تفترضه الخطة. في السعودية، 55% من المتسوقين يقولون إنهم يلتزمون بقوائم مخططة وأصناف اعتادوا عليها، و32% يركزون على العروض والشراء بكميات، بينما 6% فقط يقولون إنهم يصرفون أكثر ويجربون علامات جديدة، و5% يشترون باندفاع (المصدر: تقرير Ramadan Consumption 2026 من ArabyAds وIpsos، بيانات جُمعت في يناير 2026 في السعودية والإمارات، ولم ينشر التقرير حجم العينة).
وأعلى دافعين للشراء عند السعوديين في الشهر هما احتياجات العائلة والعادات بنسبة 55%، ثم العروض والتخفيضات بنسبة 48% (المصدر: التقرير نفسه، ArabyAds وIpsos 2026). ضع هذا جنب الرقم السابق يطلع لك المشهد كامل: الشهر الذي تشتري فيه أغلى انتباه في السنة هو نفسه الشهر الذي يكون فيه المشتري أقل استعدادًا للخروج عن قائمته. ومن يشتري لأول مرة هو محرك النمو الحقيقي، وله تجربة بحاله في السجل عن استهداف الجمهور في الإعلان.
تدفع أغلى سعر في السنة، عشان توصل لأقل ناس استعدادًا يجربون شيئًا جديدًا.
والأهم من هذا كله سطر صغير في توصيات التقرير: ابدأ محتوى التخطيط قبل رمضان بأربعة إلى ستة أسابيع، لأن القائمة تُكتب هناك (المصدر: تقرير Ramadan Consumption 2026 من ArabyAds وIpsos). القرار الذي تحاول شراءه في اليوم العاشر من الشهر تكوّن قبله بخمسة أسابيع، في وقت ما فيه أحد يزاحمك عليه، وبسعر ما فيه علاوة موسم.

حصة الصوت هي نصيبك من كل الإعلان الذي يُنشر في فئتك خلال فترة معينة. والقاعدة التي بنى عليها Les Binet وPeter Field عملهما في IPA: العلامات التي حصتها من الصوت أعلى من حصتها من السوق تميل إلى النمو، والعلامات التي حصتها من الصوت أقل من حصتها من السوق تميل إلى الانكماش (المصدر: Les Binet وPeter Field, Media in Focus, IPA، الشكل 07).
والمفتاح في كلمة واحدة: حصة الصوت نسبة، مو مبلغ. نفس المليون ريال يعطيك نسبة صغيرة في شهر يدخله الجميع، ونسبة كبيرة في شهر لا يدخله أحد. أنت لا تشتري ظهورًا، أنت تشتري فرقًا بينك وبين البقية، والفرق أرخص حين يكون الباقون خارج الملعب.
مثال افتراضي عشان تتضح الفكرة، وأرقامه من عندي لا من دراسة: لو دخلت رمضان بمليون في فئة ينفق فيها منافسوك تسعة ملايين، فحصتك من الصوت عشرة بالمئة. ولو نزلت بنفس المليون في شهر ينفقون فيه مليونين، صارت حصتك ثلث الصوت. نفس المبلغ، وموقع مختلف تمامًا على القاعدة التي فوق.
وفي رمضان زحمة ثانية أصعب من زحمة السعر: زحمة الشكل. أغلب إعلانات الشهر تبدأ من المرجع نفسه، ومن ورقة كُتبت في أسبوع الضغط، فتخرج كلها بالإيقاع نفسه: لقطة عائلة، ثم مدفع، ثم شعار. وقد فتحنا هذا السؤال من جهة الفكرة في تجربة ليش كل شيء صار ممل ومكرر، ومن جهة الورقة التي تسبق الفكرة في تجربة البريف الإبداعي. اجمع الزحمتين: إعلان أغلى، وأقل تميزًا، أمام مشتر ملتزم بقائمته.
ولا يعني هذا أن تخرج من رمضان. يعني ألا تدخله بربع صوت موزع على ثلاثين يومًا لأن الميزانية لازم تكون في رمضان. الشهر يستحق حضورًا تُسمع فيه، أو لا يستحق شيئًا.
هنا سكتنا. ما لقينا رقم سعودي واحد يقيس الزحمة.
ينفع، وبشرط واحد. رمضان مكان ممتاز لتثبيت علاقة قائمة، ومكان غالٍ جدًا لبناء علاقة جديدة. والنصف الذي تنقله لا يضيع، ينتقل إلى أسابيع فيها نفس الناس، وسعر أقل، ومنافسة أقل، وقرار شراء لم يُكتب بعد.
لو أردت اختبار هذا على ميزانيتك أنت، ابدأ بأربعة قرارات تقدر تاخذها هالأسبوع:
الجزء الصعب مو نقل الميزانية، الجزء الصعب أن الشهر الفاضي ما يعطيك عذرًا. في رمضان يكفي أن تكون موجودًا حتى تقول في التقرير إنك عملت شيئًا، والموسم يغطي على ضعف الفكرة. في شهر عادي ما فيه موسم يغطي، الفكرة وحدها هي اللي تشيل الشهر. وهذا بالضبط الجزء الذي نشتغل عليه.
وآخر شيء، وأكتبه بصراحة لأنه جزء من التجربة: ما لقيت رقمًا سعوديًا منشورًا يقيس زحمة رمضان الإعلانية بالتحديد. كل ما وجدته إما إقليمي وإما قديم، والفجوة هذي بحد ذاتها تستاهل سؤالًا. لو عندك بيانات من سوقنا تثبت العكس أو تصحح رقمًا كتبته هنا، كلّمنا وأنا أول من يعدّل هذه التجربة.
تجارب ثانية