استهداف الجمهور في الإعلان يعطيك إحساس السيطرة. عبدالرحمن المالكي يقرأ أرقام IPA: مخاطبة السوق كامل تسجّل 1.8 أثر كبير جدًا مقابل 0.6 للعملاء الحاليين.

«وليش نصرف على ناس ما هم مهتمين؟»
سمعت هذه الجملة بحرفها في ثلاث مدن وأربع فئات، ومن مديرين لا يعرف بعضهم بعضًا. تُقال بنبرة واثقة، ويوافق عليها كل من في الغرفة، لأنها تبدو منطقًا لا رأيًا: الميزانية محدودة، فلماذا نعطي جزءًا منها لمن لا ينوي الشراء؟ وحين يُعرض استهداف الجمهور في الإعلان على شريحة واحدة، ثلاث كتل ملوّنة اسمها جمهور مشابه وجمهور معاد استهدافه وقائمة العملاء الحاليين، تصير الجملة بديهية.
في المرة الأخيرة لم أرد عليها برأي، طلبت رقمًا: كم نسبة هذه الميزانية سيراها شخص لا يعرف الشركة أصلًا؟ احتاج الفريق دقيقتين على الحاسبة، وطلع الجواب أقل من الربع، وسكتت الغرفة قبل أن أقول أي شيء.
هذه التجربة هي الجواب على تلك الجملة. في ليش كل شيء صار ممل ومكرر قلنا إن جودة الفكرة تحمل النصيب الأكبر من نتيجة الإعلان. والسؤال الذي يأتي بعده مباشرة، ولا أحد يحب أن يفتحه في اجتماع، هو: الفكرة الحلوة نوريها لمين؟

بنهاية هذه التجربة سيكون معك رقمان من قاعدة بيانات IPA، وسبب واضح يشرح لماذا تطلع تقارير إعادة الاستهداف جميلة دائمًا، وسؤال واحد تسأله قبل التوقيع على أي خطة إعلام.
لأن اللوحة لا تقيس أثر الإعلان، بل تقيس الفرق بين من شاهد الإعلان ومن لم يشاهده. والاثنان مختلفان قبل أن يبدأ الإعلان: خوارزمية المنصة تختار أقرب الناس إلى الشراء، ثم تنسب لك شراءهم.
هذا ليس رأيًا في المنصات. قارن باحثون من Kellogg بالتعاون مع Facebook نتائج 15 حملة أمريكية، بحجم 500 مليون ملاحظة و1.6 مليار ظهور إعلاني، بين التجربة العشوائية المضبوطة وبين الطرق الرصدية التي تشتغل بها لوحات القياس. في نصف الدراسات كان تقدير الزيادة في الشراء مخطئًا بمقدار ثلاثة أضعاف، وفي إحدى الحملات كانت الزيادة الحقيقية 2.4% بينما وصل أقرب تقدير رصدي إلى 1306% (المصدر: Gordon, Zettelmeyer, Bhargava & Chapsky, Marketing Science 2019).
وفي تجربة ميدانية أوضح، أوقفت eBay إعلانات البحث المدفوعة على اسمها التجاري في أسواق كاملة. النتيجة أن الإعلانات على الكلمات التي تحمل اسم العلامة ليس لها أثر قصير المدى يمكن قياسه، وأن الأثر الإيجابي في بقية الكلمات ظهر عند المستخدمين الجدد وقليلي الشراء وحدهم، أما المستخدمون المتكررون، وهم من يذهب إليهم أغلب الإنفاق، فلم يتحركوا، فصار العائد المتوسط سالبًا (المصدر: Blake, Nosko & Tadelis، NBER 2014، ونُشرت في Econometrica 2015).
الاستهداف الضيق ما يصنع لك مشترين، يصوّر لك ناس قرروا قبل لا يشوفونك.
يتضاعف الأثر ثلاث مرات تقريبًا. في قاعدة بيانات IPA، سجّلت الحملات التي تخاطب السوق كامل 1.8 أثر تجاري كبير جدًا في المتوسط، مقابل 1.7 للحملات الموجهة إلى مشترين جدد، و0.6 فقط للحملات الموجهة إلى العملاء الحاليين. وعلى إجمالي الآثار المقاسة تتسع المسافة أكثر: 6.7 مقابل 5.4 مقابل 2.4 (المصدر: Binet & Field, The Long and the Short of It, IPA، الشكل 18).

والكفاءة تمشي في الاتجاه نفسه. كفاءة فائض حصة الصوت، وهو المصطلح الذي شرحته في تجربة إعلانات رمضان، بلغت 2.6 للحملات التي تخاطب السوق كامل، مقابل 0.3 للموجهة إلى مشترين جدد و0.2 للموجهة إلى العملاء الحاليين (المصدر: Binet & Field, The Long and the Short of It, IPA، الشكل 21). الوصول الأوسع هنا ليس أغلى، هو أرخص لكل نقطة نمو.
وأمانة: هذه أرقام من قاعدة بريطانية، ولا يوجد اليوم رقم سعودي منشور يقيس الشيء نفسه، وأتمنى أن يقيسه أحد. لكن الآلية ليست ثقافية، هي حسابية: الوصول الأوسع يعني فرصًا أكثر لدخول ذاكرة شخص لم يكن يعرفك.
بمشترين جدد. في قاعدة IPA نفسها، سجّلت 22% من الحملات أثرًا تجاريًا كبيرًا جدًا على الاختراق وحده، مقابل 7% على الولاء وحده و7% على الاثنين معًا (المصدر: Binet & Field, Eff Week 2016, Marketing in the Digital Age, IPA).

الاختراق كلمة تستاهل تعريفًا واضحًا: نسبة من اشترى منك مرة واحدة على الأقل خلال فترة، لا عدد مرات شراء المخلصين. وحلّلت Bain عادات الشراء لنحو 100,000 متسوق حول العالم ببيانات Kantar Worldpanel، مع خبرة أكثر من 600 مشروع نمو خلال عشر سنوات، وخرجت بجملة واحدة: العلامات القائدة تشترك في أنها تتصدر فئاتها في الاختراق. وفي التحليل نفسه، حتى كبار العلامات قد تصل نسبة فقدانهم للمشترين إلى نحو 50%، والعلامة التي تُحسن كل خطواتها تضيف نحو نقطة اختراق واحدة في السنة (المصدر: Bain & Company، 2014، ببيانات Kantar Worldpanel).
خذ الرقمين مع بعض: نصف مشتريك يمشون، ومكسبك الواقعي نقطة واحدة في السنة. من يصرف ميزانيته على من يشتري أصلًا يدفع ثمن الوقوف في مكانه، ثم يسمي ذلك كفاءة.
نحو 5% في الربع الواحد، و20% في السنة، إذا كنت تبيع للشركات. والسبب أن الشركات تغيّر مزوّدها كل خمس سنوات تقريبًا في فئات مثل البنوك والخدمات القانونية والبرمجيات والاتصالات (المصدر: البروفيسور John Dawes، معهد Ehrenberg-Bass، بحث لصالح LinkedIn B2B Institute).

معنى ذلك أن الاستهداف الذي يلاحق «نية الشراء الآن» يتزاحم على شريحة صغيرة، ويترك الباقي لمن يتذكره المشتري بعد سنتين. والباقي عندنا ليس صغيرًا: بلغ عدد السجلات التجارية القائمة في السعودية 1,918,512 سجلًا بنهاية الربع الثاني من 2026 (المصدر: وزارة التجارة، نشرة قطاع الأعمال للربع الثاني 2026). لن أضرب نسبة عالمية في رقم سعودي وأقدّمها لك كأنها قياس محلي، لكن حجم القائمة يقول ما يكفي: السوق الذي لا يشتري اليوم أكبر بكثير من السوق الذي يشتري اليوم، وهو نفسه سوق السنة الجاية.
الإعلان اللي يشوفه واحد ما يحتاجك اليوم مو ضياع، هذا هو الإعلان الوحيد اللي يشتغل بكرة.
لاحظ الفرق بين ما تقيسه اللوحة وما تقيسه هذه الأبحاث: اللوحة تعدّ من اشترى بعد أن شاهد، والأبحاث تعدّ من اشترى لأنه شاهد. والمسافة بين الجملتين هي ميزانيتك.
هنا سكتنا. الاستهداف مريح لأنه يشبه السيطرة.
اطلب رقمًا واحدًا قبل التوقيع: كم في المئة من هذه الميزانية سيراه شخص لا يعرفنا؟ إذا نزل الرقم عن النصف، فأنت تشتري تأكيدًا لا نموًا. وهذه أربعة أسئلة تُطرح بصوت مسموع قبل أن يوقّع أحد:
وقِس الوصول قبل الأداء. إذا كانت الفكرة الجيدة لا يشوفها إلا من يعرفك، فأنت دفعت مرتين ووصلت مرة.
وبعد ما يتوسّع الوصول يجي السؤال الثاني: كيف تحوّل الغريب الذي شافك مرة واحدة إلى جمهور تملكه بدل جمهور تستأجره؟ ذاك سؤال سفر، وله تجربة كاملة في السجل.
الاستهداف الضيق ليس خطأً في ذاته، هو أداة حصاد ممتازة. الخطأ أن نسميه نموًا. المدير الذي يضيّق جمهوره يظن أنه يقلل المخاطرة، وهو في الحقيقة يشتري تقريرًا جميلًا عن ناس كانوا جايينه أصلًا، ويترك النمو عند أشخاص لم يسمعوا باسمه بعد. الاستهداف ما يعطيك سيطرة، يعطيك إحساسًا فيها، وهذا أغلى إحساس في خطة الإعلام.
سؤال «مين يشوف الفكرة» هو نفسه السؤال الذي نفتح به أي مشروع في تدااا، وهو بوتيك ثقافي إبداعي مستقل من الرياض. أول ورقة نكتبها ليست شريحة جمهور، بل جملة واحدة عن شخص لا يعرفك بعد ونريده أن يخرج من الإعلان وهو يعرفك. لو عندك خطة إعلام تنتظر التوقيع هالأسبوع، تعال نجرّب السؤال على ميزانيتك أنت قبل ما تنصرف.
تجارب ثانية