مئة مقال في مدونة الشركة وما أحد يفتحها. سفر العتيبي يفتح أربعة أرقام تشرح ليش 96.55% من الصفحات بلا زيارة من قوقل، وكيف تصير المدونة مطبوعة لها قارئ.

أمامي جدول فيه مئة رابط: عمود للعنوان، وعمود لتاريخ النشر، وعمود لعدد الزيارات في آخر تسعين يومًا. رتّبته تصاعديًا حسب العمود الثالث، ثم بقيت أنزل بالمؤشر مسافة طويلة قبل أن يتغير الرقم عن الصفر.
الجدول لمدونة شركة سعودية نشرت أكثر من مئة مقال في سنتين، وأمامها اليوم مقترح جاهز بمضاعفة الإنتاج إلى مقالين كل أسبوع. وقبل أن أقرأ سطرًا واحدًا من المحتوى نفسه، كتبت ثلاثة أسئلة في أعلى الجدول: ما اسم هذه المدونة غير اسم الشركة؟ من محررها المسؤول بالاسم؟ ومتى ينتظرها القارئ، أي يوم وأي ساعة؟ الجواب الوحيد الذي جاء سريعًا كان عن الكلمات المفتاحية: قائمة بأربعين كلمة يغطونها هذا الربع.
في تجربة سابقة كتبت عن الفرق بين الجمهور الذي تملكه والجمهور الذي تستأجره، وقلت إن القناة المملوكة أثمن ما تبنيه علامة اليوم. وهذه التجربة تكمل تلك من الجهة الأخرى: قناة مملوكة بالكامل، ولا خوارزمية تقف بينها وبين قارئها، ومع ذلك لا أحد يفتحها. ملكية القناة شيء، وتعريف المنتج الذي يمشي داخلها شيء آخر تمامًا.
في السطور القادمة أربعة أرقام فتحت مصادرها وقرأتها بنفسي، وتعريف بديل للمدونة يقوم على ثلاثة أشياء فقط، واختبار من سطر واحد تجربه على أرشيفك هذا الأسبوع. وستعرف في النهاية لماذا مضاعفة الإنتاج تكبّر المشكلة بدل أن تحلها.
لأن أغلب مدونات الشركات لم تُعرَّف كمنتج له قارئ، بل كرفّ لكلمات مفتاحية. والصفحة التي تُكتب لمحرك بحث تدخل سوقًا فيه مليارات الصفحات المتشابهة، وتخرج منه في الغالب بلا زيارة واحدة.
حلّلت Ahrefs فهرسها الذي يضم نحو 14 مليار صفحة، فوجدت أن 96.55% من الصفحات لا يصلها أي زيارة من قوقل، وأن 1.94% منها يصلها ما بين زيارة وعشر زيارات شهريًا (المصدر: Ahrefs، دراسة منشورة في ديسمبر 2023). الباقي، وهو 1.51%، هو كل ما يتجاوز عشر زيارات في الشهر.
والفرق مهم لمن يدير مدونة شركة: أن تُنشر الصفحة شيء، وأن تكون في ذلك الشريط الرفيع الذي يزوره أحد شيء آخر لا يحدث بالنشر وحده.
وخذ الرقم بحجمه الصحيح قبل أن تقتبسه: العينة فهرس أداة تجارية لا الويب كله، والزيارات تقديرات مبنية على قاعدة كلمات مفتاحية، وجزء كبير من تلك الصفحات لم يُكتب للبحث من الأصل. ومع ذلك يبقى الاتجاه واضحًا ولا يحتاج إلى فاصلة عشرية: النشر ليس وصولًا، وحجم الأرشيف ليس دليلًا على وجود قارئ.

الأرشيف الذي لا يعود إليه أحد ليس أصلًا، إنه رفّ.
المدونة تُعرَّف بالكلمة المفتاحية، والمطبوعة تُعرَّف بثلاثة أشياء: اسم مستقل، ومحرر مسؤول واحد، وموعد ثابت. وأستعمل كلمة مطبوعة عن قصد، لأن التسمية هي أول ما يغير القرارات التي تأتي بعدها.
الاسم أولًا. حين يكون للمنتج اسم مستقل عن اسم الشركة، يصير له حد واضح: هذا يدخل وهذا لا يدخل. أما «مدونة شركة كذا» فحدودها مفتوحة على كل شيء، ولهذا تمتلئ بأخبار التوظيف وملخصات المؤتمرات ومقالات تشرح للقارئ ما يعرفه أصلًا.
المحرر ثانيًا. لا أقصد كاتبًا، أقصد إنسانًا واحدًا يملك حق الرفض. المادة التي يوافق عليها الجميع لا يقرؤها أحد، لأن كل قسم أضاف جملته حتى ما بقي في النص رأي يخص أحدًا.
الموعد ثالثًا. الموعد وحده يصنع تسلسلًا: العدد الجديد يعرف ما قاله العدد الذي قبله، والقارئ الذي يدخل اليوم يجد سلسلة لها بداية ونهاية مؤجلة، لا رفًا مرتبًا بحسب تاريخ النشر.
وهذه الثلاثة تصنع شيئًا رابعًا لا يُشترى بميزانية: أرشيف يقرأ نفسه. العدد الأربعون يعود إلى العدد الثاني عشر ويصححه، والمقال القديم يكسب قيمة كلما جاء بعده مقال يحيل إليه. هذا هو الفرق العملي بين أرشيف تحريري وبين مئة ملف على خادم.

المدونة تنافس على كلمة يكتبها ملايين، والمطبوعة تنافس على موعد لا يملكه غيرك.
لا. في المسح السنوي لـ Orbit Media لسنة 2025، وشارك فيه 808 من صنّاع المحتوى في أغسطس 2025، قال 21% فقط إنهم يحصلون على نتائج قوية من التدوين، مقابل 60% نتائج بسيطة و11% نتائج مخيبة (المصدر: Orbit Media 2025، عينة عالمية أغلبها أمريكية، ولم أجد ما يقابلها في السعودية).
وفي المسح نفسه رقم لا يخدم حجتي، فأكتبه كما هو: من ينشرون عدة مرات في الأسبوع ترتفع نسبة النتائج القوية عندهم إلى 37% (المصدر: Orbit Media 2025). التكرار إذن يرفع الاحتمال. لكن اقلب الرقم من جهته الثانية: نحو ثلثي من ينشرون بهذه الكثافة لا يصلون إلى نتيجة قوية أصلًا. المضاعفة تحسّن فرصتك قليلًا، وتعريف ما تنشره هو الذي يحسم.
وللكلفة وجه لا يظهر في التقرير. متوسط وقت كتابة التدوينة الواحدة في المسح نفسه أقل بقليل من ثلاث ساعات ونصف (المصدر: Orbit Media 2025). اضرب ذلك في مئة مقال تجد نحو 350 ساعة، أي ما يقارب شهرين من دوام شخص واحد، أُنفقت على رفّ لا يعرف أحد اسمه. ومضاعفة الإنتاج تعني شهرين آخرين على الرفّ نفسه.
ثم إن الكمية نفسها فقدت ثمنها. في دراسة على 55,400 رابط اختيرت عشوائيًا من Common Crawl لمقالات إنجليزية نُشرت بين يناير 2020 ومارس 2026، بلغت حصة المقالات المولّدة أساسًا بالذكاء الاصطناعي 50.9% في الربع الأخير من 2025، ثم 49.9% في الربع الأول من 2026 (المصدر: Graphite، مايو 2026، ثلاثة كواشف آلية). العينة إنجليزية فلا تُسحب على العربية، لكن الدرس ينتقل: تعبئة الرفّ صارت أرخص شيء في هذه المهنة، وكل ما يمكن توليده بلا كلفة يفقد قدرته على التمييز.
وهي القصة نفسها التي كتبها عبدالرحمن حين شرح ليش صارت الإعلانات كلها تشبه بعضها: ما يُشتق من مرجع يخرج بشكل المرجع. والمقال الذي يُكتب من نتائج الصفحة الأولى يخرج بشكل الصفحة الأولى، ثم نسأل لماذا لا يميّزنا أحد.
الفرصة أن المساحة العربية شبه فارغة. العربية لغة المحتوى في 0.6% فقط من المواقع التي تُعرف لغتها، مقابل 49.5% للإنجليزية (المصدر: W3Techs، مسح مستمر، القراءة بتاريخ 5 سبتمبر 2026، والنسبة تتغير مع الوقت).
ومعنى ذلك عمليًا أن المطبوعة العربية التي لها اسم ومحرر وموعد تنافس عددًا صغيرًا جدًا من المطبوعات المشابهة، بينما نظيرتها الإنجليزية تنافس ملايين. نشتكي من ضيق السوق ونحن نقف في أوسع مساحة فارغة في هذه المهنة.
وأقولها بصراحة كما أقول الأرقام: الأرقام أعلاه كلها عالمية، ولم أجد مسحًا سعوديًا منشورًا عن مدونات الشركات يقيس الشيء نفسه. الشيء المحلي الوحيد الذي أستطيع تأكيده هو ما أراه كل شهر في اجتماعات الرياض: ما ينقص المحتوى العربي ليس الكتّاب ولا الميزانية، بل قرار إداري يعطي المنتج اسمًا وموعدًا ومحررًا مسؤولًا.

هنا سكتنا قدام أرشيف ما أحد فتحه.
ابدأ باختبار واحد قبل أي جدول نشر: احذف نصف الأرشيف على الورق، ثم اسأل الفريق من يلاحظ. إن كان الجواب «لا أحد»، فالنصف الباقي ليس منتجًا بعد، وأي زيادة عليه تكبّر الرفّ لا عدد القراء.
والنصف المحذوف لا يُرمى بالضرورة: مقالات كثيرة تُدمج في مرجع واحد أطول وأصدق، والباقي يبقى بلا ترقية ولا تحديث. تنظيف الأرشيف قرار تحريري قبل أن يكون قرارًا تقنيًا.
وبعد الاختبار، خمسة قرارات تُتخذ في اجتماع واحد لا في ربع كامل:
ولا تبدأ بمضاعفة الإنتاج. انشر أقل، وسمِّ ما تنشره، والتزم بموعده سنة كاملة قبل أن تحكم عليه. أعرف أن هذا الكلام صعب في تقرير ربعي، وهذا بالضبط سبب بقاء المساحة العربية فارغة إلى اليوم.
ويبقى نصف السؤال في مكان آخر: محرك البحث نفسه صار يجاوب بدل أن يوصّل، وهذا وحده يغير معنى الزيارة العضوية في تقريرك القادم، وقد فصّلته في تجربة البحث بالذكاء الاصطناعي.
أنا أقيس هذا النوع من العمل بالسنة لا بالربع، ولا أعرف طريقة أسرع، ولو عرفتها لكتبتها هنا. وإن كان أمامك أرشيف كبير لا تعرف ماذا تسميه، فنحن في تدااا، بوتيك ثقافي إبداعي مستقل من الرياض، نبدأ من التعريف قبل الجدول: اسم واحد، ومحرر واحد، وموعد واحد. كلّمنا. أحيانًا يخرج الاجتماع بقرار حذف، وهذا أيضًا نتيجة.
تجارب ثانية